"وكلوا واشربوا ولا تسرفوا"
"نحن قوم لا نأكل حتى نجوع وإذا أكلنا فلا نشبع"

بعد عدة سنوات من التجارب والأبحاث حول أسباب الأمراض والتي يأتي على رأس قائمتها الغذاء، بأنواعه ومكوناته وطريقة تناوله وكميته، رأيت أن أتجه إلى  كتاب الله وتراثنا الغنيّ بسيرة وأقوال المرسل رحمة للعالمين محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، حيث أن العافية تدخل في الرحمة والرحمة تتضمن العافية، والعافية إحدى ثلاثة أشياء إن حازها الإنسان فقد ملك الدنيا وما فيها، ومن اللافت للنظر والداعي إلى التدبر والتعقل هو أن الشيء الثاني من هذه الثلاثية العظيمة والأساسية للحياة السعيدة هو الأمن (الراحة النفسية)، وفي الثالثة الكمال والتمام ألا وهو الغذاء.

بدأت البحث بالآية 31 من سورة الأعراف وكلوا واشربوا ولا تسرفوا

فأجمعت كتب التفاسير الكبيرة على تفسير بسيط في كمه غني في مضمونه للآية الكريمة، لأنها كالشمس في الظهيرة، ولا تحتاج للكثير من الكلام والتأويل والأدلة.

وقَالَ بَعْض السَّلَف:جَمَعَ اللَّه الطِّبّ كُلّه فِي نِصْف آيَة وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا

وَقَالَ الْبُخَارِيّ قَالَ اِبْن عَبَّاس: كُلْ مَا شِئْت وَالْبَسْ شِئْت مَا أَخْطَأَتْك خَصْلَتَانِ سَرَف وَمَخِيلَة وَقَالَ اِبْن جَرِير حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد الأَعْلَى حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن ثَوْر عَنْ مَعْمَر عَنْ اِبْن طَاوُس عَنْ أَبِيهِ عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ "أَحَلَّ اللَّه الأَكْل وَالشُّرْب مَا لَمْ يَكُنْ سَرَفًا أَوْ مَخِيلَة" إِسْنَاده صَحِيح وَقَالَ الإمَام أَحْمَد حَدَّثَنَا بَهْز حَدَّثَنَا هَمَّام عَنْ قَتَادَة عَنْ عَمْرو بْن شُعَيْب عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدّه أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ "كُلُوا وَاشْرَبُوا وَالْبَسُوا وَتَصَدَّقُوا مِنْ غَيْر مَخِيلَة وَلا سَرَف فَإِنَّ اللَّه يُحِبّ أَنْ يَرَى نِعْمَته عَلَى عَبْده " . وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ وَابْن مَاجَهْ مِنْ حَدِيث قَتَادَة عَنْ عَمْرو بْن شُعَيْب عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدّه عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ " كُلُوا وَتَصَدَّقُوا وَالْبَسُوا فِي غَيْر إِسْرَاف ولا مَخِيلَة"

فعرجت بعد ذلك إلى الحديث المتداول كثيرا، والذي تعلمناه منذ الصغر، ويردده كثير من المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، وهو: "نحن قوم لا نأكل حتى نجوع وإذا أكلنا فلا نشبع"

فلم أعثر على هذا الحديث في كتب السنة النبوية، ولم يذكره، فيما وصلت إليه، سوى برهان الدين الحلبي في "السيرة الحلبية" (3/295) وقال الشيخ الألباني رحمه الله: "هذا القول الذي نسبه إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - لا أصل له" "السلسلة الصحيحة" (رقم/3942).

على أن الأدب الذي تضمنه هذا الكلام، مازال أهل العلم، وأهل العقل والحكمة يقولون به: أنه لا ينبغي للإنسان أن يُدخل طعاما على طعام آخر في بطنه، بل ينتظر حتى تطلب نفسه الطعام وتشتهيه، فإذا اشتهته وأعطاها حاجتها منه، فليقتصد في تناوله، ولا يملأ بطنه منه، بحيث يتجاوز حد الاعتدال والتوسط في ذلك.

فواصلت إلى بقية الأحاديث الصحيحة، ووقفت عندها لأتدبر فيها وأربط بينها وبين ما اكتسبته من تجاربي وأبحاثي وأبحاث الآخرين في هذا المجال وبدأت بالحديث الذي ورد في تفسير الآية وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا فوجدت ما يلي:

عَنْ مِقْدَامِ بْنِ مَعْدِي كَرِبَ - رضي الله عنه - قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: {مَا مَلأَ آدَمِيٌّ وِعَاءً شَرًّا مِنْ بَطْنٍ؛ بِحَسْبِ ابْنِ آدَمَ أُكُلاتٌ يُقِمْنَ صُلْبَهُ؛ فَإِنْ كَانَ لا مَحَالَةَ فَثُلُثٌ لِطَعَامِهِ وَثُلُثٌ لِشَرَابِهِ وَثُلُثٌ لِنَفَسِهِ} رواه أحمد (16735) والترمذي (2380)، وقال الترمذي: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، وصححه الألباني.

قال الحافظ ابن رجب عن هذا الحديث: "إنه أصل عظيم جامع لأصول الطب كلها".

وقد روي أن ابن ماسويه الطبيب لما قرأ هذا الحديث في كتاب أبي خيثمة قال: "لو استعمل الناس هذه الكلمات يعني من قوله - صلى الله عليه وسلم - {حسب ابن آدم أكلات يقمن صلبه} إلى آخره لسلموا من الأمراض, والأسقام ولتعطلت المارستانات ودكاكين الصيادلة"

وقال القرطبي في شرح الأسماء: "لو سمع أبقراط بهذه القسمة لعجب من هذه الحكمة".

وفي الإحياء ذكر هذا الحديث يعني تقسيم البطن أثلاثا لأحد الفلاسفة فقال: "ما سمعت كلاما في قلة الأكل أحكم من هذا, ولا شك أن أثر الحكمة فيه واضح, وإنما خص الثلاثة بالذكر; لأنها أسباب حياة الحيوان ولأنه لا يدخل البطن سواها" ..

 

قال صاحب "الفواكه الداواني" (2/317): ( ومن آداب الأكل ) المقارنة له (أن تجعل بطنك) ثلاثة أقسام ( ثلثا للطعام وثلثا للشراب وثلثا للنفس) لاعتدال الجسد وخفته; لأنه يترتب على الشبع ثقل البدن وهو يورث الكسل عن العبادة, ولأنه إذا أكثر من الأكل لما بقي للنفس موضع إلا على وجه يضر به, ولما ورد: { المعدة بيت الداء, والحمية رأس الدواء, وأصل كل داء البردة . والحمية خلو البطن من الطعام, والبردة إدخال الطعام على الطعام, ولفظ المعدة}

ومن الكلام أيضا ما قاله مالك: "ومن طب الأطباء أن ترفع يدك من الطعام وأنت تشتهيه"

وقال سحنون: "كل شيء يعمل على الشبع إلا ابن آدم إذا شبع رقد"

وقال الحارث بن كلدة (طبيب العرب): "الحمية رأس الدواء, والبطنة رأس الداء" وقال الحارث أيضا: "الذي قتل البرية, وأهلك السباع في البرّية, إدخال الطعام على الطعام, قبل الانهضام"

وعن ‏أبي هريرة‏ ‏قال: ‏قال رسول الله ‏صلى الله عليه وسلم "‏المؤمن يأكل في معيّ واحد والكافر يأكل في سبعة أمعاء"

 

عن أبي جحيفة: "قال أكلت ثريدة من خبز ولحم ثم أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فجعلت أتجشأ, فقال يا هذا كف عن جشائك, فإن أكثر الناس شبعا في الدنيا أكثرهم جوعا يوم القيامة".

قال القرطبي: "شهوات الطعام سبع . شهوة الطبع, وشهوة النفس, وشهوة العين, وشهوة الفم, وشهوة الأذن, وشهوة الأنف, وشهوة الجوع وهي الضرورية التي يأكل بها المؤمن, وأما الكافر فيأكل بالجميع" .

وقد كان العقلاء في الجاهلية والإسلام يتمدحون بقلة الأكل ويذمون كثرة الأكل كما تقدم في حديث أم زرع أنها قالت في معرض المدح لابن أبي زرع: "ويشبعه ذراع الجفرة"

قال حاتم الطائي: فإنك إن أعطيت بطنك سؤله ‏ ‏وفرجك نالا منتهى الذم أجمعا

وقال ابن التين: قيل إن الناس في الأكل على ثلاث طبقات:

طائفة تأكل كل مطعوم من حاجة وغير حاجة وهذا فعل أهل الجهل,

وطائفة تأكل عند الجوع بقدر ما يسد الجوع حسب,

وطائفة يجوعون أنفسهم يقصدون بذلك قمع شهوة النفس وإذا أكلوا أكلوا ما يسد الرمق.

واختم هنا بقول ابن المنير حيث ذكر أن مراتب الشبع تنحصر في سبعة: ‏

الأول ما تقوم به الحياة,

الثاني أن يزيد حتى يصوم ويصلي عن قيام وهذان واجبان,

الثالث أن يزيد حتى يقوى على أداء النوافل, ‏

الرابع أن يزيد حتى يقدر على التكسب وهذان مستحبان, ‏

الخامس أن يملأ الثلث وهذا جائز, ‏

السادس أن يزيد على ذلك وبه يثقل البدن ويكثر النوم وهذا مكروه, ‏

السابع أن يزيد حتى يتضرر وهي البطنة المنهي عنها وهذا حرام.

كل هذه التفاسير والأحاديث والتعليقات لعلماء سلفنا الصالح تخلص إلى نقطة أساسية مشتركة واحدة ومتفق عليها بالإجماع، ألا وهي عدم الجوع وعدم الشبع، ومن هنا جعلتهما القاعدة الأساسية للنظام الغذائي الحياتي Diet4newlife.

ثم قمت بإضافة القواعد العلمية الأخرى التي يقوم عليها هذا النظام، والتي لم تخرج عن نطاق السيرة، ليكون نظاما متكاملاً قدر الإمكان، وجعلته في متناول الجميع مهما اختلفت مستوياتهم المادية أو أنماطهم المعيشية، مراعيا إشراكهم في اختيار الطعام الذي يرغبون فيه لكي لا يتحملون أعباء وضغوط كبت الشهوة وكلوا واشربوا ولا تسرفوا، باستثناء بعض الأطعمة الممنوعة والتي لا تشكل غذاءً أساسيا للإنسان، ولم تكن كذلك في أي وقت من حياته على وجه هذه المعمورة.

الرئيسية